9ديسمبر

لننقذ ماتبقى منه ..

لا يخفى على ذي بصيرة أن ثقافة الأفراد في أي مجتمع هي امتداد لثقافة المجتمع الذي ينتمون إليه، فالطابع العام للمجتمعات تتشكل من لبنات صغيرة متمثلة بالطابع الخاص للأفراد وماهم عليه من الثقافة والوعي والعلم، فلو تفشى العلم والبحث بين الأفراد اتشح المجتمع بذلك حلة الثقافة والوعي والدقة والنقد وانتشر التساؤل والشك المنهجي الذي يقود إلى اليقين لمن تتبع السبل الصحيحة في الوصول إلى الحقيقة، وإن خبت تلك الحالة أصبح المجتمع غارقاً في التبعية العمياء والسطحية والجهل المبطن.

 مثّل المنبر الحسيني على مر العصور المنارة التي يستهدي بها أفراد المجتمع الشيعي والذي يغذي بدوره جانبي العاطفة والفكر، فالمنبر الحسيني يمثل العَبرة والعِبرة، والعَبرة مقدمة على العِبرة لا شك في ذلك، فالعَبرة والعاطفة هي أصل الشعائر بأشكالها المختلفة والتي تعتبر أحد أهم عوامل إيصال صوت النهضة المباركة إلى كل العصور، وقد لا أظنه ينكر أحداً الدور الثقافي الذي يلعبه هذا المنبر المبارك في تغذية الجوانب العلمية والفكرية المرتبطة بالدين والعقيدة، ويرجع السبب في هذا إلى تنوع الموضوعات التي يطرحها خطيب المنبر واختصارها دون أن تكلف المتلقي عناء الجهد والبحث فضلاً عن اهتمام بعض الأفراد من عدمه فيما يخص الثقافة الدينية بمفهومها العام.
كان لهذا التنوع الدور الأبرز في استقطاب الجماهير كلاًّ بحسب اهتمامه، والموضوع الذي يطلبه ليروي لديه ظماً ما من الرافد الديني، فمابين المنبر العلمي والفكري إلآ المنبر الشعبي والقصصي يتنقل المستمع ليشارك في إحياء مراسم العزاء على سيد الشهداء ع بالشكل الذي يتناسب ورغبته، ولكن أصبح المنبر الحسيني في الآونة الأخيرة مع الأسف شرعة لكل وارد، فكل من جرت الكلمات على لسانه في حسن البيان وطلاقة اللسان كان له نصيب من ارتقاء المنبر ليملي على المستمعين مافي جعبته من موضوعات وان كانت على حساب التخصص في العلم الديني بمفهومه الواسع مما أنتج منبراً ضعيفاً على مستوى الطرح والموضوع، بل أكاد أقول وبضرس قاطع أنها أصبحت تشكّل-هذه الحالة- سبباً لعزوف الكثير من حضور المجالس الحسينية، أو حضورها على أقل تقدير من باب التبرك لا أكثر ولا أقل، فلا يتوانى البعض من الخطباء الأعزاء من سرد المنامات والكرامات والمغالطات الغير مقصودة، وبل وقد تصل إلى الاستعانة بشاذ الروايات وضعيفها في سبيل اثبات فكرة ما وإن كانت تؤدي إلى وهن المذهب وهتكه على مستوى العقيدة والفكر، وهذا مملا لاشك فيه يعد سبباً في ضعف تأثير المنبر الحسيني وتغييب لدوره في كونه منارة للعلم والوعي.
المنبر الحسيني هو امتداد تلك النهضة التي قامت بهدف اصلاح الإعوجاج في الأمة وتقويم مسارها بعد الإنحراف الذي شاب ملامحها فغيّب معالم الإسلام الأصيلة، هذا الإصلاح المناط بالمنبر الحسيني لا يكون إلاّ بالوعي والثقافة والعلم والمعرفة المنطلقة من المعين الصافي المتمثل بتعاليم أهل البيت عليهم السلام بالدرجة الأولى، وبالعلماء الأعلام الذين نهلوا من ذلك المعين.
واقعة كربلاء وماحدث فيها في العاشر من المحرم لم يكن حدثاً عابراً قد وقع ليذرف العشاق عليه الدموع فقط، وإن كان هو مطلوب في ذاته ومقدّم على ماسواه كما أسلفنا، كان العلماء الأعلام يوصون بأن يعيش الفرد حالة كربلاء بقيمها وأهدافها السامية، فالدموع التي تنبع من المعرفة ليست كدموع الإنفعال العاطفي لصورة الواقعة وما جرى فيها، لذلك ورد في الزيارة ( أتيتك زائراً عارفاً بحقك)، هذا ماينبغي أن يرسمه المنبر في المجتمع وما ينبغي أن نحافظ عليه.

 

أحمد فيصل – مجلة الطف الإلكترونية

محرم 1438 هـ

شارك التدوينة !

عن a.faisal

أؤمن أن الطموح لا يقف عند الحدود .. وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم .. صدر لي 1.رؤى، 2. معادلات الحياة، 3. لغة النقاء، 4. حياة بين ركام الموتى ، ماجستير تربية تخصص أصول تربية - جامعة الكويت
جميع الحقوق محفوظة @ أحمد فيصل - 2018