11أكتوبر

:: قيم كربلاء ::

 –
تقاس أصالة النهضات والثورات بأصالة منطلقاتها، فكلما كان انبعاث النهضة أو الثورة من قيم ومبادئ معنوية عليا كلما بقي صداها حياً تتناقله المجتمعات بأفرادها عبر العصور، وعلى رأس هرم القيم بمختلف توجهاتها القيم الإنسانية، هذه القيم التي تتجاوز في حدودها مجالات العلاقات الاجتماعية، والخصوصيات الحضارية، لتنفتح على بُعدها الخاص والذي رسم معالم تميزها عبر معاييرها الخاصة والذي قام بناؤه على المبادئ التي آمن بها مطلقوا حركات النهضة ومحركي الثورات. لا ينبغي لمنصف قد تناول النهضات التي اندلعت عبر التاريخ أن يتجاهل في عبوره على الثورات والنهضات المتفاوته نهضة سيد الشهداء (عليه السّلام) والتي تحضر وهي حُبلى  بنبل القيم، وسمو المبادئ، التي تدور في فلك الارتباط المطلق بالحق تبارك وتعالى.

ولعل من الضرورة أن نشير إلى مفهوم القيم ليتضح معناها عبر استعراض العناصر المكونه له والمعايير العليا النابعة منه، يشير الباحثون ومنهم الدكتور مهدي عبدالحليم إلى أن القيم يراد منها المعايير العقلية والوجدانية التي تستند إلى مرجعية حضارية، والتي تمكن صاحبها من الاختيار بإرادة حرة، واعية، وبصورة متكررة نشاطاً إنسانياً -يتسق فيه الفكر والقول والفعل- يرجحه على ماعداه من أنشطة بديلة متاحة فيستغرق فيه، ويسعد به، ويحتمل فيه ومن أجله أكثر مما يحتمل في غيره دون انتظار لمنفعه ذاتية، ويورد الدكتور علي خليل أبوالعينين مفهوماً مستنداً للرؤية الإسلامية في تعريف القيم الإسلامية على أنها مجموعة من المعايير والأحكام النابعة من تصورات أساسية عن الكون والحياة والإنسان والإله كما صورها الاسلام، تتكون لدى الفرد والمجتمع من خلال التفاعل بين المواقف والخبرات الحياتية المختلفة، بحيث تمكنه من اختيار أهداف وتوجهات لحياته تتفق مع إمكاناته، وتتجسد في الاهتمام أو في السلوك العملي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
ومن الملاحظ بأن القيم بالمفهوم العام تتقاطع ومفهوم القيم الاسلامية في نقاط عدة ومنها: أن المعايير العقلية والوجدانية التي تستند إلى مرجعية حضارية هي التي تمثل الرؤية الكونية الإلهية وما تحويه من تصورات عن علاقة الإنسان بالتفاعل مع الكون والحياة، ونظرته للمجتمع المحيط به،  ومدى ارتباطه النوعي بالإله، وبما أن الإنسان مختار في انتخاب النشاط الإنساني بإرادة حرة من خلال المعايير العقلية والوجدانية فهو بذلك يقوم بانتخاب أهداف حياته ومبادئه التي تضفي لوجوده القيمة الواقعية من عملية استخلافه على الأرض والتي لا تصطدم مع قابلياتته وإمكانياته، حينئذ تترجم هذه الأهداف والمبادئ إلى سلوك وهو التجلي العملي أو الوجداني أو اللفظي الدال على مستوى الإيمان بهذه (القيم) في واقع الفرد أو المجتمع.
ولهذه القيم المتصلة بالبعد الإسلامي خصائص وسمات تميزها عن بقية المدارس الفلسفية الأخرى والتي تنطلق قيمها من بنيتها الفلسفية، وهذه السمات كما يذكرها الدكتور حاتم السعدي أنها:
1. إلهية المصدر (ربانية): أي أن منطلقها من القرآن الكريم والسنة المطهرة المتمثّلة بروايات الرسول الأكرم وروايات أهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام، ٢. التوازن والوسطية: وتعني أن القيم الإسلامية تقوم على تعاضد مايملكه الانسان من قدرات واستعدادات واستخدامها استخداماً متكاملاً متوازناً بين البعد المادي لهذه القدرات والبعد المعنوي منها، ٣. الشمول والعمومية: فهي شاملة لجميع مناحي الحياة، وصالحة لكل زمان ومكان، ٤. الإيجابية: فهو دين يقود معتنقيه إلى سعادة الدنيا والآخرة عبر الدعوة إلى فعل الخيرات واجتناب المعاصي والمنكرات، ٥. الإنسانية: وتعني أن القيم الإسلامية عنى بتكريم الانسان وتحقيق انسانيته من خلال الحفاظ على الكرامات والمساواة بين الناس، إذ لا أفضلية لطبقة ولا لون، إنما معيار المفاضلة هو التقوى، ٦. الثبات: تتميز القيم الاسلامية بأنها قيمة ثابتة لا تخضع للتغير تبعاً للزمان والمكان وذلك لأنها قيماً ربانية والله سبحانه وتعالى خالق الإنسان وهو أعلم بصالحه في كل زمان ومكان. ٧. الاستمرارية: قابليتها للتطبيق في كل زمان ومكان. ٨. البساطة والوضوح: الاسلام دين يسر لا دين عسر، وقيمه تتصف بالبساطة وعدم التعقيد ليكون فهمها سهلاً على معتنقيه. ٩. الواقعية: القيم الاسلامية مرتبطة بالواقع ليست معزولة عنه من مراعاة الحقائق الموضوعية ذات الوجود الحقيقي، كما أنها تراعي الفطرة والتكوين الإنساني. ١٠. العمق: القيم الاسلاية لا تعتمد على السطحية في تناولها للقضايا المختلفة، بل أنها تسير غور الأشياء دون الاكتفاء بالنظر إلى الظواهر نظرة بسيطة وسطحية.
ومن خلال التمعن بأدبيات النهضة المباركة لسيد الشهداء (عليه السلام) يتضح أن القيم العليا التي ينبغي أن يكون عليها الفرد قد تجسدت بكلماته عليه السلام عبر أبعاد ثلاثة رسمت ملامح العلاقة التي ينبغي أن يلحظها الفرد ويتحقق من وجودها لما لها من دور من سموه ورفعته قيمياً، وترتكز القيم التي جسدها سيد الشهداء (عليه السّلام) على آركان ثلاثة وهي علاقة الإنسان بالحق تبارك وتعالى، وعلاقة الإنسان بذاته، وأخيراً علاقة الإنسان مع المجتمع.
يمثل بُعد العلاقة بين العبد والحق تبارك وتعالى بُعد تكوين الوازع الديني والحالة الأخلاقية الضامنة لحفظ المجتمع من الانهيار على الصعيد الديني والأخلاقي عبر الوازع الذاتي والامتثال المطلق لله تبارك وتعالى والذي يبعث الحياة في الضمائر فيبقيها حية نابضة، بذلك تكون هي صَمَام الأمان لحفظ قيم المجتمع الدينية والأخلاقية وبوابة هذا الاستقرار النفسي هو أداء حق الله الذي يتكفل ببث الطمأنينة في نفس الفرد، وقد تكررت هذه القيمة في أدبيات الطف على لسان سيد الشهداء (عليه السلام)، مما جعل انهيار قيمة الارتباط بالله أحد أركان منطلقات النهضة المباركة، منها “من رآى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرام الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان غفلتم يغير عليه بفعل ولا قول، كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله”.
ان الشريعة الاسلامية ترمي لأن ينمو الفرد نمواً متوازناً توصله إلى مرتبة استحقاق مقام الخلافة في الأرض، وهذا المقام لا يُنال إلاّ من خلال تأدية الواجبات المتطابقة والفطرة البشرية ليتكامل معها الفرد، فليس من المطلوب أن يميت الإنسان غرائزه ويكبت شهواته فيما أحل الله له، بل ينبغي التمتع بحلال الله تعالى، وكان لزاماً إظهار الغضب في مواطن معصية الله والذي يحقق التوازن المنشود على مستوى استقرار الفرد والمجتمع.
لم يكن علمه (عليه السلام) بأنه مقتول حائل بينه وبين أداء واجبه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بل قال كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأن مني أكراشاً جوفا، وأجرابة سبغا، لا محيص عن يوم خط بالقلم ..
ولم تقتصر الشريعة على العلاقة بين العبد وربه وعلاقته بذاته، وإنما كوّن الفرد يتميز بطبيعة فطرية اجتماعية يتعايش من خلالها ضمن منظومة اجتماعية كان لزاماً عليه رسم ملامح العلاقة والتعاطي المجتمعي والتي تقوم على أساس حفظ حقوق الآخرين وبذلك تكون القيمة الثالثة هي علاقة الفرد بالآخرين، فعلى صعيد المجتمع فإن العمل ضمن تلك المنظومة بحاجة لمجموعة من القيم التي تعمل على حفظ الأهداف السامية للأفراد والجماعات، وضبط المجتمع من التفكك والانهيار، ولا يمكن تحصين المجتمع إلا عبر معرفة الأدوار المناطة بالأفراد اتجاه بعضهم البعض، واتجاه المجتمع كوحدة متكاملة، وهذا ما أشار إليه الإمام الحسين (عليه السلام) حينما حاول ايقاظ الضمائر من سبات الغفلة، ولفت انتباههم إلى دورهم المغيب في خطبته في كربلاء وقد قال (عليه السلام) ألا ترون إلى الحق لا يعمل به، وإلى الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله محقا ..
وقد كانت نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) هي عين القيم التي إلتزم بها حتى أصبحت كربلاء منهلاً عذباً ينهل منه كل من أعياه البحث عن النبل والقيم السامية ليجد واقعة الطف تنضح مبادئاً وقسماً إنسانيةً ترسم ملامح ذلك الارتباط المتجذر في العلاقات الثلاثة مع الله سبحانه وتعالى، وذاته، ومجتمعه
نشر المقال في مجلة الطف الإلكترونية – محرم 1439 هـ
شارك التدوينة !

عن a.faisal

أؤمن أن الطموح لا يقف عند الحدود .. وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم .. صدر لي 1.رؤى، 2. معادلات الحياة، 3. لغة النقاء، 4. حياة بين ركام الموتى ، ماجستير تربية تخصص أصول تربية - جامعة الكويت
جميع الحقوق محفوظة @ أحمد فيصل - 2018